أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
29
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
احتياجا إليهم بدليل قوله : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ « 1 » وليس المعنى أنه خلقهم مريدا منهم ذلك إذ لو كان كذلك لم يتخلّف عن عبادته منهم أحد لئلا يلزم تخلف مراده . وأنت ترى أكثرهم غير عابديه : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ « 2 » . ويقال : طريق معبّد ، أي مذلّل بالوطء ؛ قال طرفة بن العبد « 3 » : [ من البسيط ] [ تباري عتاقا ناجيات ] وأتبعت * [ وظيفا ] وظيفا فوق مور معبّد قوله : أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ « 4 » أي اتّخذتهم عبيدا وخولا . وقيل : ذلّلتهم ذلّة العبيد . وقيل : كلّفتهم الأعمال الشاقّة التي تكلّف مثلها العبدان . وأنشد « 5 » : [ من البسيط ] علام يعبدني قومي وقد كثرت * فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان ؟ يقال : أعبدته مثل عبدته . ع ب ر : قوله تعالى : فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ « 6 » أي اتّعظوا بهؤلاء فإنّ العاقل من اتّعظ بغيره ؛ ومن ثمّة قيل : ولا تجعلنا موعظة . ومن ثمّ قال تعالى : فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً « 7 » أي جعلنا تلك الأمّة موعظة يتّعظ بها المتقدّمون « 8 » وهم من يسمع أن قوما سيأتون يفعلون كذا فيبتلون بكذا . والمتأخرون وهم من بلغهم خبرهم . والاعتبار : افتعال من العبور وهو المجاوزة ؛ يقال : عبرت النهر : قطعته وجزته من أحد جانبيه إلى الآخر . ومن ثمّ استدلّ « 9 » بها مثبّتو القياس : فإنّ القياس عبور من أصل إلى فرع بعلّة جامعة .
--> ( 1 ) 57 / الذاريات : 51 . ( 2 ) 103 / يوسف : 12 . ( 3 ) الديوان : 27 ، والإضافة منه . الوظيف : ما بين الرسغ إلى الركبة . المور : الطريق . ( 4 ) 22 / الشعراء : 26 . ( 5 ) البيت للفرزدق كما في اللسان - مادة عبد ، والتصويب منه . غير أنه غير مذكور في الديوان . ( 6 ) 2 / الحشر : 59 . ( 7 ) 66 / البقرة : 2 . ( 8 ) وفي س : المتقدمون المتأخرون . ( 9 ) في الأصل : استدلوا .